أحمد بن محمد ابن عبد ربه الأندلسي
78
العقد الفريد
الكلاب « 1 » الأول قال أبو عبيدة : لما تسافهت بكر بن وائل وغلبها سفهاؤها ، وتقاطعت أرحامها ، ارتأى رؤساؤهم ، فقالوا : إن سفهاءنا قد غلبوا على أمرنا ، فأكل القويّ الضعيف ، ولا نستطيع تغيير ذلك ، فنرى أن نملّك علينا ملكا نعطيه الشاء والبعير ، فيأخذ للضعيف من القوي ، ويردّ على المظلوم من الظالم ، ولا يمكن أن يكون من بعض قبائلنا ، فيأباه الآخرون ، فتفسد ذات بيننا ، ولكنا نأتي تبّعا فنملّكه علينا . فأتوه ، فذكروا له أمرهم ، فملّك عليهم الحارث بن عمرو آكل المرار الكندي ، فقدم فنزل بطن عاقل « 2 » . ثم غزا بكر بن وائل ، حتى انتزع عامة ما في أيدي ملوك الحيرة اللخميين ، وملوك الشام الغسانيين ، وردّهم إلى أقاصي أعمالهم . ثم طعن في نيطيه « 3 » - أي مات ، فدفن ببطن عاقل ، واختلف ابناه شرحبيل وسلمة في الملك ، فتواعدا الكلاب ، فأقبل شرحبيل في ضبة والرّباب كلها ، وبني يربوع ، وبكر بن وائل ، وأقبل سلمة في تغلب ، والنمر ، وبهراء ومن تبعه من بني مالك بن حنظلة ، وعليهم سيفان بن مجاشع ، وعلى تغلب السفاح ، وإنما قيل له السفاح لأنه سفح أوعية قومه وقال لهم : انذروا إلى ماء الكلاب . فسبقوا ونزلوا عليه ، وإنما خرجت بكر بن وائل مع شرحبيل لعداوتها لبني تغلب ، فالتقوا على الكلاب ، واستحرّ القتل في بني يربوع ، وشد أبو حنش على شرحبيل فقتله ، وكان شرحبيل قتل حنشا ، فأراد أبو حنش أن يأتي برأسه إلى مسلمة ، فخافه ، فبعثه مع عسيف « 4 » له ، فلما رآه مسلمة دمعت عيناه وقال ه : أنت قتلته ؟ قال لا ، ولكنه قتله أبو حنش . فقال : إنما أدفع الثواب إلى قاتله ! وهرب أبو حنش عنه ، فقال سلمة :
--> ( 1 ) الكلاب : ما بين الكوفة والبصرة ( 2 ) عاقل : جبل ، وقيل واد بنجد . ( 3 ) النيط : العرق الذي للقلب متعلق به . ( 4 ) العسيف : الأجير .